أحمد مصطفى المراغي
32
تفسير المراغي
بالزئبق وتحريكه إياها بفعل الحرارة : ( سواء كانت نارا أعدت لها أو الشمس حين أصابتها ) فلقفها لذلك يكون بعمل من الحية أخرجت به الزئبق من الحبال والعصى فانكشفت به الحيلة ولو كانت قد ابتلعتها لبقى الأمر ملتبسا على الناس ، إذ قصاراه أن كلا من السحرة وموسى قد أظهر أمرا غريبا ولكن أحد الفريقين كان أقوى من الآخر فأخفاه على وجه غير معلوم ولا مفهوم ، وهذا لا ينافي كونهما من جنس واحد - ولكن زوال غشاوة السحر وتخييله حتى رأى الناس أن الحبال والعصى التي ألقاها السحرة ليست إلا حبالا وعصيا لا تسعى ولا تتحرك ، وأن عصا موسى لم تزل حية تسعى هو الذي ماز الحق من الباطل وعرفت به الآية الإلهية والحيلة الصناعية وقد فعلت ذلك بسرعة ومن ثم عبر عنه باللقف ، ولكن لا يعرف بما كان لها هذا التأثير ؟ لأنها آية إلهية لا أمر صناعي حتى تدرك حقيقته . ( فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي فثبت الحق وفسد ما كانوا يعملون من الحيل والتخييل وذهب تأثيره ، إذ تبين لمن شهده وحضره أن موسى رسول من عند اللّه يدعو إلى الحق وأن ما عملوه ما هو إلا إفك السحر وكذبه ومخايله . ( فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ) أي فغلب موسى فرعون وجموعه في ذلك الجمع العظيم الذي كان في عيد لهم ضربه موسى موعدا لهم كما جاء في سورة طه : « قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى » وعادوا من ذلك الحفل صاغرين أذلة بما رزءوا به من خيبة وخذلان . ( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ) أي وألقى السحرة حينما عاينوا عظيم قدرة اللّه ساقطين على وجوههم سجّدا لربهم ، لأن الحق قد بهرهم واضطرهم إلى السجود ، حتى كأن أحدا دفقهم وألقاهم . والخلاصة - إن ظهور بطلان سحرهم وإدراكهم فجأة لآية موسى وعلمهم بأنها من عند اللّه لا صنع فيها لمخلوق ملأت عقولهم يقينا وقلوبهم إيمانا فكأنّ اليقين الحاكم